تشهد مدينة عمّان حضور مبادرات محلية صغيرة، دؤوبة في عملها، ظلت على مدى سنوات طويلة تعيد تشكيل محيطها الاجتماعي والعمراني بصمت وبخطوات متراكمة. وبرغم التحولات الواسعة التي أعادت رسم المدينة تحت تأثير التخطيط الموجّه بالسوق والقرارات المركزية، واصلت هذه الجهود القاعدية فتح فسحات للحياة المشتركة، تنشأ من روح التعاون، ومن الثقة المتبادلة، ومن الروابط اليومية التي تبنيها ممارسات الرعاية. فقد عملت بعض المجموعات على إحياء مساحات خضراء مهمشة، بينما اختار آخرون الدفاع عن أحيائهم المهددة، وابتكرت مجموعات أخرى مساحات تُعنى بالغذاء أو الثقافة أو احتياجات الفئات التي جرى تهميشها عبر الزمن. وتلتقي هذه المبادرات، على اختلاف أشكالها، في قدرتها على فتح مجال لتصورات حضرية أخرى، تتشكّل ببطء داخل المدينة وتقدّم إمكانيات مغايرة لما يمكن أن تكون عليه عمّان
يجمع مشروع الخرائط المضادة هذه الحكايات والأماكن عبر محادثات معمّقة، ورسوم أوّلية، وذاكرات شخصية، وتأملات تشاركية مع من يقودون هذه المبادرات ويشكّلون خبرتها اليومية. وتقدّم الخريطة، من خلال هذا الاشتباك المباشر، قراءة مغايرة للمدينة ترى في هذه الجهود عناصر فاعلة في صناعة المكان، لا أطرافاً على الهامش. كما تكشف سردية تغيب عن الوثائق التخطيطية الرسمية، وتصل بين المبادرات القديمة والحديثة لتأسيس أرضية مشتركة يمكن الانطلاق منها نحو عملٍ جمعي. ومن خلال هذا الربط، تنفتح إمكانية لتعاون أعمق ودعم متبادل بين مجموعات تواجه تحديات متشابهة، رغم قلّة اللقاء الذي يجمعها في الحياة اليومية
وتتموضع الخريطة في فضاء ثالث بين الواقع والاحتمال، فهي تستند إلى تجارب ملموسة لأشخاص يعملون يومياً على رعاية محيطهم وتحسينه، لكنها تمتد أيضاً نحو ما قد يصير ممكناً حين يُعترف بهذه الجهود القاعدية بوصفها جزءاً أصيلاً من نسيج المدينة. ومن خلال الجمع بين التوثيق والتخيل، تصبح الخريطة دعوة متأنية لإعادة التفكير في عمّان بوصفها مدينة تُصاغ عبر عمل سكانها وتصوراتهم، لا فقط عبر منطق تخطيطي بعيد عن واقعهم وشروط حياتهم اليومية
أتاحت ورش العمل التي جمعت هذه المبادرات ضمن مسار الخرائط المضادة فضاءً رحباً للتأمل الجماعي وإعادة قراءة التجارب من الداخل. في هذه اللقاءات، جرى تفحّص السياقات التي انبثقت منها كل مبادرة، واستعادة مساراتها الأولى، والإنصات لتحدياتها وتطلعاتها، ورسم خيوط الترابط الاجتماعي والمكاني التي تشكّل بنيتها الحيّة ويمكن أن تدفعها إلى الأمام. وأظهرت هذه الجلسات أن المبادرات، رغم تباعد مواقعها الجغرافية وتنوّع اهتماماتها، تتقاطع في هموم أساسية وصراعات يومية مشتركة، وتتشاطر رغبة صادقة في إيجاد ساحاتٍ أرحب للعمل معاً. كما كشفت أن أنماطاً من المعرفة والخبرة لا تتجلّى إلا حين يجتمع الناس في مكان واحد، ويتشاركون النقاش والورق والذاكرة، فيتكوّن فهمٌ جماعي يصعب الوصول إليه خارج مثل هذه اللحظات التشاركية.
في جوهره، يقوم هذا المشروع على جمع وتنسيج جهود جماعية تعمل على توسيع أفق المشاركة في صناعة المدينة وإعادة الاعتبار للدور القاعدي في تشكيل فضاءاتها. وهو مشروع مفتوح بطبيعته، يتطور مع كل قصة تُروى وكل مكان يُضاف، ولا يكتمل عند حدّ معين بل يستمر في الاتساع كلما ظهرت مبادرات جديدة داخل عمّان. وتأتي خريطة عمّان المضادة بوصفها مورداً مشتركاً مفتوح المصدر، يحتضن مساهمات الممارسات التي لم تُوثَّق بعد، ويتيح المجال لإضافات لاحقة تعكس دينامية العمل المجتمعي ذاته. ومن خلال هذا الانفتاح، تتحول الخريطة إلى أرشيف حيّ يستعيد المعرفة المحلية ويُبرز أثر المبادرات الشعبية، ويقترح مسارات جديدة لبناء مستقبل حضري أكثر عدلاً وقرباً من تجارب الناس اليومية وما يطمحون إليه.
تمّ إنتاج هذا المشروع ضمن إطار منحة "لنستعيد المشاع: مشروع لبناء تعاون ثقافي في المنطقة العربية" بدعم من المورد الثقافي، مؤسسة عبد المحسن القطان، اتجاهات-ثقافة مستقلة، أفلامنا، والشارع فن.